السيرة النبوية · الْفَصْلُ السَّادِسُ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الثَّانِي · الْعَهْدُ الْمَكِّيُّ

الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى · بَدْءُ الْوَحْيِ

الْفَصْلُ السَّادِسُ

غَارُ حِرَاءٍ وَنُزُولُ الْوَحْيِ

فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، فِي غَارٍ يُطِلُّ عَلَى مَكَّةَ، نَزَلَتْ أُولَى آيَاتِ الْقُرْآنِ

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

قَبْلَ الْوَحْيِ

تَهْيِئَةُ الْقَلْبِ

غَارُ حِرَاءٍ جَبَلُ النُّورِ
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ. قَالَ «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣)صحيح

نبّه الطلاب على مراتب التهيئة الثلاث في كلام عائشة رضي الله عنها: الرؤيا الصادقة، ثم حبّ الخلاء، ثم التعبّد في حراء. والغار في جبل النور، على نحو ميلين من مكة (٣–٤ كم).

أَوَّلُ مَا نَزَلَ

«اقْرَأْ»

وكان أولَ ما نزل من القرآن صدرُ سورة العلق:

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ۝١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ۝٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ۝٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ۝٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ۝٥
سُورَةُ العلق: ١–٥

متى؟

في رمضان، وهو ابن أربعين سنة؛ وذلك — على ما رجّحه صاحب الرحيق المختوم — يوم الاثنين الحادي والعشرين من رمضان، سنة ٦١٠م.

من نزل به؟

الملَك جبريل عليه السلام، أرسله الله تعالى. ولا نرسم الملائكة في هذه السلسلة.

أوّلُ كلمة؟

انْقُرْ لِتَتَأَمَّلَ

اقرأ! دينٌ أوّلُ ما نزل منه أمرٌ بالقراءة، وفي الآيات نفسها ذكرُ التعليم بالقلم.

التاريخ: كونُه يوم الاثنين ثابتٌ عن النبي ﷺ نفسه (مسلم ١١٦٢؛ وانظر الفصل الثاني من هذه السلسلة). وأمّا تعيين اليوم من رمضان فاختيار صاحب الرحيق المختوم، وذكر العلماء أيامًا غيره.
الرُّجُوعُ إِلَى خَدِيجَةَ

«زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»

... فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣)صحيح

لم تجزع خديجة رضي الله عنها، بل ثبّتته وقالت: «كلّا والله ما يخزيك الله أبدًا…»، وذكّرته بمكارم أخلاقه (الفصل الخامس)؛ فكانت أولَ من آمن به.

خاف ﷺ؛ فهو بشر، وهذا أمرٌ لم يعهده من قبل. وفي الموقف فرصة للحديث عن تثبيت الأهل بعضهم بعضًا عند الخوف.

وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ

«هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى»

... فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ». قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣)صحيح

علمُ ورقة

كان قد قرأ الكتب السابقة، فعرف أن المَلَك الذي كان يأتي الأنبياء قبله قد جاءه.

نذارةٌ

ما جاء رجلٌ قطّ بمثل ما جاء به إلا عودي؛ فالطريق شاقّة.

فَتْرَةُ الْوَحْيِ

ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ

وبعد أول الوحي فتر الوحي مدّة، ثم عاد:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ - فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا، مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤)صحيح
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ۝١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ۝٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ۝٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ۝٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ۝٥
سُورَةُ المدثر: ١–٥

بسورة العلق نُبِّئ ﷺ فكان نبيًّا، وبسورة المدثر أُرسل فكان رسولًا مأمورًا بالإنذار والبلاغ.

يفرّق العلماء بين ابتداء النبوة بسورة العلق، والأمر بالبلاغ بسورة المدثر؛ قال ابن القيم في زاد المعاد: نبّأه الله باقرأ، وأرسله بالمدثر. واختُلف في مدة الفترة، وفي الرحيق المختوم أنها كانت أيامًا.

الْخَطُّ الزَّمَنِيُّ

كَيْفَ بَدَأَ الْوَحْيُ

  1. أولًا الرؤيا الصادقة: لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
  2. ثانيًا حبّ الخلاء: يخلو بغار حراء يتعبّد فيه.
  3. ثالثًا «اقرأ»: جبريل ينزل بأول آيات سورة العلق.
  4. رابعًا خديجة رضي الله عنها تثبّته وتؤمن به.
  5. خامسًا ورقة يشهد: هذا الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام.
  6. سادسًا الفترة، ثم الأمر بالإنذار في سورة المدثر، فتبدأ الرسالة.
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

العلم أولًا

أول كلمة نزلت من القرآن «اقرأ»، وطلبُ العلم عبادة.

٢

الزوجة الصالحة

تثبيتُ خديجة رضي الله عنها له شاهدٌ على أثر الأسرة المؤمنة المحبّة.

٣

الحقّ يُعادى

صدقت نذارة ورقة، ولكنّ الله نصر رسوله.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.أين نزل الوحي أول مرة؟
صحيح (البخاري ٣).
في غار حراء، في جبل النور.
٢.ما أول كلمة نزلت من القرآن؟
أحسنت — سورة العلق: ١.
أول كلمة نزلت «اقرأ» (سورة العلق: ١).
٣.من أول من آمن به؟
صحيح.
خديجة رضي الله عنها أول من آمن به.
٤.في أي سورة أُمر ﷺ بالإنذار؟
صحيح (البخاري ٤).
في سورة المدثر: ١–٢.

أشرق النور في حراء

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←