السيرة النبوية · الْفَصْلُ الثَّامِنُ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الثَّانِي · الْعَهْدُ الْمَكِّيُّ

الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ · الْجَهْرُ بِالدَّعْوَةِ

الْفَصْلُ الثَّامِنُ

الْجَهْرُ بِالدَّعْوَةِ عَلَى الصَّفَا

بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْجَهْرِ بِالدَّعْوَةِ

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

الْأَمْرُ بِالْجَهْرِ

الْأَمْرُ بِإِنْذَارِ الْعَشِيرَةِ

وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ۝٢١٤
سُورَةُ الشعراء: ٢١٤

أُمر النبي ﷺ أن يدعو أهله وقومه جهرًا، فصعد الصفا، وهو جبلٌ صغير عند الكعبة، كانوا يجتمعون عنده إذا نزل بهم أمرٌ مهمّ.

الصفا هو الجبل الذي يبدأ منه الحجّاج والمعتمرون سعيهم اليوم.

عَلَى الصَّفَا

«أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ». لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ». قَالُوا نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا. قَالَ «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٧٧٠)صحيح

تأمّل منهجه: انتزع منهم أولًا الإقرارَ بصدقه، ثم بلّغهم الرسالة. واسأل الطلاب: لِمَ كان ذلك حكيمًا؟

مَنْهَجُ الدَّعْوَةِ

طَرِيقَةٌ حَكِيمَةٌ فِي الْبَلَاغِ

  1. أولًا جمعهم في مكان عامّ، فلا يقول أحد: لم أسمع.
  2. ثانيًا سألهم عن أمرٍ يعرفونه: صدقِه؛ فقالوا جميعًا: ما جرّبنا عليك إلا صدقًا.
  3. ثالثًا ثم بلّغهم الرسالة وقد قامت عليهم الحجّة بإقرارهم: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد».

لبث فيهم أربعين سنةً لا يعرفون عليه كذبًا، فلم يجد أعداؤه سبيلًا إلا السبّ.

أَبُو لَهَبٍ

الْعَمُّ الَّذِي عَادَاهُ

كان أبو لهب عمَّ النبي ﷺ، فسبّه على رؤوس الناس، فأنزل الله فيه سورةً كاملة:

تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ۝١ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ۝٢ سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ ۝٣ وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ۝٤ فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ ۝٥
سُورَةُ المسد: ١–٥

معجزةٌ في هذه السورة

انْقُرْ لِتَكْشِفَ

أخبرت السورة أن أبا لهب سيصلى النار، أي أنه يموت على الكفر. وعاش بعدها نحوًا من عشر سنين، وكان يكفيه ليكذّبها أن يقول: أسلمتُ؛ فلم يفعل. ولا يعلم ذلك إلا الله.

مات أبو لهب على كفره بعد غزوة بدر بقليل (الرحيق المختوم).

اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ

«لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قَالَ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٢٧٥٣)صحيح

حتى أهلُه

عمُّه وعمّتُه، بل ابنته الحبيبة فاطمة رضي الله عنها: كلٌّ مسؤولٌ عن إيمانه وعمله.

وفي ذلك عبرةٌ لنا

الانتسابُ إلى أسرة مسلمة نعمة، ولكنّ إيمانك وعملك هما ما ينفعك عند الله.

دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

الجهر بالحق

لمّا جاء الأمر أعلن الحقّ على رؤوس الناس، ولو كانوا أهله.

٢

الصدق يفتح القلوب

لم يستطع قومه أن يطعنوا في رسالته من جهة أخلاقه.

٣

كلُّ امرئٍ بعمله

لا تنفع القرابةُ أحدًا عند الله، وإنما ينفعه إيمانه وعمله.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.أيُّ آيةٍ أمرته بإنذار عشيرته؟
صحيح.
آية سورة الشعراء (٢١٤).
٢.أين وقف يدعو قريشًا؟
صحيح (البخاري ٤٧٧٠).
على الصفا عند الكعبة.
٣.ماذا قالت قريش في صدقه؟
أحسنت.
قالوا: «ما جرّبنا عليك إلا صدقًا».
٤.من أبو لهب؟
صحيح.
هو عمّه.

صارت الدعوة جهرًا على رؤوس الناس

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: الْإِيذَاءُ وَالصَّبْرُ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←