السيرة النبوية · الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الثَّالِثُ · الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ
الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ

الْمُؤَامَرَةُ وَغَارُ ثَوْرٍ

الإذن بالخروج، ومكر قريش، وثلاث ليالٍ في الغار

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

الْإِذْنُ بِالْهِجْرَةِ

«إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ»

لمّا تمّت بيعة العقبة الثانية أخذ المسلمون يخرجون من مكة إلى يثرب أرسالًا في خفية، وتجهّز أبو بكر رضي الله عنه يريد اللحاق بهم…

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ... فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ». وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وَهْوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٩٠٥)صحيح

خرج أكثر المسلمين قبله ﷺ، وبقي هو بمكة حتى أذن الله له، وحبس أبو بكر نفسه ليصحبه.

مَكْرُ قُرَيْشٍ

مَكْرُ قُرَيْشٍ وَتَدْبِيرُ اللَّهِ

رأت قريش أصحاب النبي ﷺ يجتمعون بيثرب، فخافت عاقبة أمره، واجتمع كبراؤها يأتمرون به. وقد قصّ الله علينا مكرهم فقال:

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ۝٣٠
سُورَةُ الأنفال: ٣٠
الرحيق المختوم: اجتمع أشراف قريش في دار الندوة، فاتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتًى جلدًا، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل. وكثير مما يُروى من التفاصيل في كتب السير جاء بأسانيد ضعيفة، فتركناه.

عليٌّ في الفراش

بات عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الليلة على فراش النبي ﷺ، وخرج النبي ﷺ من الدار. وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبيَّ ﷺ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه فإذا هو عليّ، فردّ الله مكرهم.

المصدر: مسند أحمد (٣٢٥١) من حديث ابن عباس، ذكرناه بمعناه. حسّن إسناده ابن حجر (فتح الباري ٧/٢٧٨) وابن كثير (البداية ٣/١٧٨)، وضعّفه بعض أهل العلم كالألباني. وذكره صاحب الرحيق المختوم.

وروى الحاكم خبر مبيت عليٍّ في الفراش وصحّح إسناده، ووافقه الذهبي. وضعّف الأرناؤوط والألباني إسناد أحمد، لأن فيه عثمان الجزري وهو مختلف فيه. وأمّا ما زِيدَ في القصة من حراسة جبريل وميكائيل لعليٍّ فموضوع (الألباني، السلسلة الضعيفة ٤٩٤٦)، فلا يُذكَر.

فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ

«الصُّحْبَةَ» — «نَعَمْ»

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَعَمْ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بِالثَّمَنِ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٩٠٥)صحيح

الكتمان

جاء في الظهيرة متقنّعًا، وطلب أن يخلو بأبي بكر؛ والأخذ بالأسباب من تمام التوكّل على الله.

التعفّف

لم يقبل الراحلة هبةً حتى من أقرب أصحابه إليه، وقال: «بِالثَّمَنِ».

التَّجْهِيزُ

نطاقٌ وسُفرةٌ وغار

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ قَالَتْ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٩٠٥)صحيح

صار اللقب الذي لُقّبت به أسماء شرفًا لها: ذات النطاق؛ فما يُقدَّم في خدمة الدين يبقى ذكره وإن صغُر.

التَّخْطِيطُ

خطة محكمة

  1. ١ الخروج في خفية، لا يعلم به إلا من لا بدّ من علمه.
  2. ٢ التوجّه جنوبًا إلى غار ثور، على خلاف جهة يثرب.
  3. ٣ المكث في الغار ثلاث ليالٍ حتى يفتر الطلب.
  4. ٤ عبد الله يأتيهما بالأخبار كل ليلة، وعامر يأتيهما باللبن.
  5. ٥ يأتي الدليل بالراحلتين صبح الليلة الثالثة، ويسلك بهم طريقًا قليل السالكين: طريق الساحل.
قَالَتْ عَائِشَةُ: ... يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهْوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ يَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهْوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهْوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٩٠٥)صحيح
فِي الْغَارِ

«مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»

عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا. فَقَالَ «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٦٥٣)صحيح
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٤٠
سُورَةُ التوبة: ٤٠

قصة الحمامتين على باب الغار لا يصحّ لها إسناد. وأمّا نسج العنكبوت فجاء في رواية ابن عباس نفسها عند أحمد، وحسّن إسنادها ابن حجر وابن كثير، وضعّفها الألباني والأرناؤوط. وإنما عُرِض خبر عليٍّ في الفراش لأن له طريقًا ثانية صحّحها الحاكم ووافقه الذهبي، وليس ذلك لخبر العنكبوت، فتُرك لتقدير المعلّم. والذي يكفينا ما في القرآن والصحيح: نصر الله، والسكينة التي أنزلها.

لِكُلٍّ دَوْرُهُ

رجال الهجرة ونساؤها

توكّل النبي ﷺ على ربه أتمّ التوكّل، وأخذ مع ذلك بالأسباب، فجعل لكلّ واحد عملًا. انقر على كل اسم:

انقر على اسم.

شابٌّ، وفتاة، ومولًى، وصاحب، ودليل مستأجَر — كلٌّ يستطيع أن يخدم دين الله.

دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

الأخذ بالأسباب مع التوكّل

دبّر ﷺ أمر الهجرة في كل تفاصيله، ثم فوّض أمره إلى الله.

٢

الصحبة الصادقة

بذل أبو بكر رضي الله عنه ماله، وخاطر بنفسه في صحبة النبي ﷺ، وقام أهل بيته على خدمة الرحلة.

٣

معيّة الله لأوليائه

معيّة الله لنبيّه ﷺ وصاحبه رضي الله عنه معيّةُ نصرٍ وحفظ، وهي سكينة المؤمن عند الخطر.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.في أي جهة من مكة يقع غار ثور؟
أحسنت؛ فقد سلكا غير الطريق الذي ظنّه الطالبون.
في الجنوب، على خلاف جهة يثرب.
٢.كم ليلةً مكثا في الغار؟
صحيح (البخاري ٣٩٠٥).
ثلاث ليالٍ.
٣.لِمَ سُمّيت أسماء «ذات النطاق»؟
أحسنت.
لأنها قطعت من نطاقها فشدّت به فم الجراب.
٤.ماذا قال النبي ﷺ لأبي بكر في الغار؟
صحيح (البخاري ٣٦٥٣).
«ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما».

اثنان في الغار، والله ثالثهما

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: الطَّرِيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←