السيرة النبوية · الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الرَّابِعُ · الْعَهْدُ الْمَدَنِيُّ

الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى · بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ

الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ

الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ وَالْمُؤَاخَاةُ

بيتٌ لله، ونداءٌ إلى الصلاة، وغرباءُ صاروا إخوة

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبَ

«حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ»

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٨)صحيح
كم أقام بقباء؟ في الرحيق المختوم: أربعة أيام، على ما ذكره ابن إسحاق؛ وفي حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري: أربع عشرة ليلة، وهو الذي رجّحه ابن القيم.

نزل ﷺ ضيفًا على أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه حتى فُرغ من بناء حجراته إلى جانب المسجد.

بِنَاءُ الْمَسْجِدِ

«لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ»

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ... وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا». قَالُوا لَا وَاللَّهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ أَنَسٌ فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ»
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٨)صحيح
اشتراه ولم يقبله هبة: كانت الأرض مِرْبَدًا لغلامين يتيمين، سهل وسهيل، فعرضاها عليه هبة، فأبى أن يقبلها هبة حتى ابتاعها منهما (من رواية عروة عند البخاري ٣٩٠٦، والرحيق المختوم).

في رواية عروة عند البخاري (٣٩٠٦)، وهي مرسلة: أن الغلامين عرضا الأرض هبة، فأبى حتى اشتراها منهما، وبذلك قال صاحب الرحيق. وهذه الجملة ثابتة في المطبوع من صحيح البخاري، وسقطت من بعض النسخ الرقمية. وفي حديث أنس رضي الله عنه (البخاري ٤٢٨) أن بني النجار أبوا أن يأخذوا لها ثمنًا، وقد جمع ابن حجر بين الروايتين في فتح الباري.

تَأَمَّلْ

كان القائد ينقل الحجارة معهم

عملٌ مشترك

بنى المهاجرون والأنصار جنبًا إلى جنب؛ فكان أول ما اجتمعوا على بنائه في المدينة، بعد مسجد قباء، بيتًا لله.

قائد متواضع

لم يكتفِ النبي ﷺ بالأمر، بل كان ينقل الحجارة بنفسه.

همّة الآخرة

وكان يرتجز: «اللهم لا خير إلا خير الآخرة».

القائد الصالح يخدم بيده قبل أن يأمر بلسانه.

بُنْيَانُ الْمَسْجِدِ

لَبِنٌ، وجذوع نخل، وجريد

عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤٦)صحيح
▲ الْقِبْلَةُ الْأُولَى: بَيْتُ الْمَقْدِسِ (شَمَالًا) الْمُسَقَّفُ: سَوَارٍ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وَسَقْفٌ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ صَحْنٌ مَكْشُوفٌ · جُدْرَانٌ مِنَ اللَّبِنِ ▼ مِنْ سَنَةِ ٢هـ: الْكَعْبَةُ (جَنُوبًا)
رِسَالَةُ الْمَسْجِدِ

أكثر من مكان للصلاة

صار المسجد قلب المجتمع الجديد. انقر على كل بطاقة:

الصلاة

انْقُرْ لِتَكْشِفَ

تُقام فيه الصلوات الخمس جماعةً، وصلاة الجمعة.

مدرسة

انْقُرْ لِتَكْشِفَ

فيه كان النبي ﷺ يعلّم أصحابه القرآن وأمر الدين في حِلَق العلم.

دار الشورى

انْقُرْ لِتَكْشِفَ

فيه كان المسلمون يتشاورون، ويستقبلون الوفود، ويتلقّون الأخبار.

مأوى

انْقُرْ لِتَكْشِفَ

في مؤخّره الصُّفّة، يأوي إليها فقراء المسلمين ممن لا دار لهم (الفصل التاسع عشر).

بَدْءُ الْأَذَانِ

«يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ»

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٦٠٤)صحيح
ألفاظ الأذان: رأى عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه في المنام رجلًا يعلّمه ألفاظ الأذان، فقال النبي ﷺ: إنها رؤيا حق، وأمره أن يلقيها على بلال رضي الله عنه لأنه أندى صوتًا. — سنن أبي داود (٤٩٩)؛ صحّحه البخاري فيما نقله البيهقي في معرفة السنن، وصحّحه النووي (المجموع ٣/٧٦)، وحسّنه الألباني (إرواء الغليل ٢٤٦).
الْمُؤَاخَاةُ

«قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِي»

ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم وأهليهم بمكة، فآخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار.

قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ». فَقَالَ قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِي.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٢٢٩٤)صحيح
الرحيق المختوم: كانت المؤاخاة في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، بين تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، وقيل: كانوا مئة.

كانوا في أول الأمر يتوارثون بهذه الأخوّة، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النساء (٣٣)، فرجع الميراث إلى ذوي الأرحام، وبقي النصر والرِّفادة والنصيحة (البخاري ٢٢٩٢ عن ابن عباس).

سَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ

«دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَهْيَمْ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا». قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٢٠٤٩)صحيح

كرم سعد

عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على أخٍ لم يعرفه إلا منذ أيام أن يقاسمه ماله شطرين.

عفّة عبد الرحمن

شكر له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ودعا له بالبركة، ثم مضى إلى السوق يكسب قوته بيده.

إِيثَارُ الْأَنْصَارِ

«اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ «لَا». فَقَالُوا تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٢٣٢٥)صحيح
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ۝٩
سُورَةُ الحشر: ٩
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

المسجد أولًا

أول ما بناه في المدينة بعد مسجد قباء هو المسجد، قلب الجماعة.

٢

أخوّة الإيمان

جعل الإيمان الغرباء إخوة يتقاسمون الدار والمال.

٣

العطاء والعمل

جاد الأنصار بأموالهم، وجدّ المهاجرون في العمل فلم يكونوا عالة على غيرهم.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.من نزل عليه النبي ﷺ أول ما قدم المدينة؟
أحسنت (البخاري ٤٢٨).
أبو أيوب الأنصاري.
٢.من أي شيء كانت سواري المسجد الأول؟
صحيح (البخاري ٤٤٦).
من جذوع النخل، وسقفه من الجريد، وجدرانه من اللبن.
٣.من أمره النبي ﷺ أن ينادي بالصلاة؟
أحسنت (البخاري ٦٠٤).
بلال.
٤.ماذا طلب عبد الرحمن بن عوف من أخيه سعد؟
أحسنت؛ آثر أن يكسب قوته بيده.
«دُلّوني على السوق».

بُني المسجد، وبُنيت معه أخوّة

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: الْمُجْتَمَعُ الْجَدِيدُ فِي الْمَدِينَةِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←