السيرة النبوية · الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الرَّابِعُ · الْعَهْدُ الْمَدَنِيُّ

الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ · الصُّلْحُ وَالْفَتْحُ

الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ

فَتْحُ مَكَّةَ

عشرة آلاف يسيرون في رمضان، ويعود ﷺ إلى بلده متواضعًا لربه

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

سَنَةَ ٨هـ

قريش تنقض العهد

حلفان

دخلت خزاعة بمقتضى صلح الحديبية في عهد المسلمين، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

غارة بليل

أغارت بنو بكر على خزاعة، وأعانهم رجال من قريش بالسلاح، فانتقض العهد.

الرحيق المختوم: كانت الغارة في شعبان سنة ثمانٍ، فبعثت خزاعة إلى النبي ﷺ تستنصره، فتجهّز للمسير إلى مكة في كتمان.

أصول هذه الأحداث متّفق عليها في كتب السيرة، وأمّا بعض التفاصيل المشهورة — كشعر عمرو بن سالم، وقدوم أبي سفيان المدينة — فمروية بأسانيد خارج الصحيحين، فلم تُذكر في الشرائح.

كِتَابُ حَاطِبٍ

«لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ»

كتم النبي ﷺ وجهته، فأطلعه الله على امرأة تحمل كتابًا إلى مكة، فبعث عليًّا والزبير والمقداد رضي الله عنهم، فأدركوها وجاؤوا بالكتاب (البخاري ٣٠٠٧):

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ... فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٠٠٧)صحيح

زلّة الرجل الصالح — حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه — يُحكم فيها بالعدل: سمع منه ﷺ، وصدّقه، وذكر سابقته.

رَمَضَانُ، سَنَةَ ٨هـ

مسير العشرة الآلاف

البحر الأحمرعشرة آلافالمدينةالكديدمر الظهرانمكة

مسير في كتمان

أخفى ﷺ وجهته ليأخذ قريشًا على غرّة، وفي قصة كتاب حاطب بيانُ ما كان من شدّة الحرص على هذا الكتمان.

التاريخ (الرحيق المختوم): خرج الجيش من المدينة لعشر خلون من رمضان سنة ثمانٍ (يناير ٦٣٠م)، ودخل مكة — على ما في الرحيق — في السابع عشر من رمضان، وفي روايات: في العشرين منه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٧٦)صحيح
مَرُّ الظَّهْرَانِ

«هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ»

وقرب مكة، بمرّ الظهران، أخذ حرسُ النبي ﷺ أبا سفيان سيّد قريش، فأسلم رضي الله عنه، فأمر ﷺ أن يُحبَس حيث يرى الجيش يمرّ قبيلةً قبيلة (البخاري ٤٢٨٠؛ مسلم ١٧٨٠):

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: ... حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ. ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهْيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ «مَا قَالَ». قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٨٠)مرسل
الْأَمَانُ لِلنَّاسِ

الأمان، والوفاء للأنصار

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ... وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا وَجَاءَتِ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ». فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ». قَالُوا وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ «فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ».
صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٧٨٠)صحيح

الكلمة المشهورة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» لا تصحّ: ضعّف الألباني الخبر (السلسلة الضعيفة ١١٦٣)، وهو عند ابن هشام معضل. والعفو نفسه ثابت بالروايات الصحيحة كهذه الرواية، فمنها يُدرَّس. وأمّا لفظ «الطلقاء» في وصف من أُطلق يوم الفتح فثابت (البخاري ٤٣٣٧)، وإنما الضعيف تلك الخطبة.

دُخُولُهُ ﷺ مَكَّةَ

الفاتح يدخل يتلو القرآن

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٨١)صحيح

بعد نحو ثماني سنين من خروجه من مكة مستخفيًا، رجع إليها فاتحًا، لا يفخر ولا يتعاظم، بل يتلو سورة الفتح.

تَطْهِيرُ الْبَيْتِ

تطهير البيت من الأصنام

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ، وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٢٨٧)صحيح
وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ۝٨١
سُورَةُ الإسراء: ٨١
حُرْمَةُ مَكَّةَ

«إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ... وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣١٨٩)صحيح
ثَمَرَةُ الْفَتْحِ

«بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ»

عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ: ... وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٣٠٢)صحيح
إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ۝١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ۝٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ۝٣
سُورَةُ النصر: ١–٣
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

النصر مع التواضع

دخل ﷺ مكة يتلو القرآن، وبذل الأمان لأهلها.

٢

الوفاء بالعهد

«المحيا محياكم، والممات مماتكم»: وفى ﷺ بعهده للأنصار.

٣

التوحيد أولًا

كان من أول ما صنعه بمكة تطهير بيت الله من الأصنام.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.كم كان عدد الجيش الذي سار مع النبي ﷺ إلى مكة؟
أحسنت (البخاري ٤٢٧٦).
عشرة آلاف (البخاري ٤٢٧٦).
٢.من كان آمنًا يوم الفتح؟
صحيح (مسلم ١٧٨٠).
من دخل دار أبي سفيان، أو ألقى السلاح، أو أغلق بابه.
٣.من أي سورة كانت الآية التي يتلوها ﷺ وهو يطعن الأصنام؟
نعم (البخاري ٤٢٨٧؛ الإسراء: ٨١).
من سورة الإسراء، الآية ٨١.
٤.لماذا كتب حاطب إلى قريش؟
أحسنت، وقد عفا عنه النبي ﷺ (البخاري ٣٠٠٧).
ليحمي قرابته بمكة (البخاري ٣٠٠٧).

طُهِّر بيت الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: غَزْوَةُ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←