السيرة النبوية · الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الرَّابِعُ · الْعَهْدُ الْمَدَنِيُّ

الْمَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ · تَمَامُ الرِّسَالَةِ

الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ

اثنا عشر ألفًا، وكمين في الوادي، وموعظة في الاغترار بالكثرة

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

بَعْدَ الْفَتْحِ

خطر جديد بعد الفتح

جبال الحجازمكةحنينالطائف

هوازن وثقيف

لم يلبث النبي ﷺ بعد فتح مكة إلا قليلًا حتى بلغه أن قبائل هوازن وثقيف قد جمعوا له جمعًا عظيمًا، وساقوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم، ليثبت المقاتلون دونها فلا يفرّ منهم أحد.

الرحيق المختوم: كانت الغزوة في شوال سنة ثمان، وكان جيش المسلمين نحو اثني عشر ألفًا: العشرة الآلاف الذين فتحوا مكة، وألفان من أهلها، وكان على هوازن مالك بن عوف. وفي حديث أنس: «ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء» (البخاري ٤٣٣٧)، وفي رواية عند مسلم (١٠٥٩): «ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف»؛ فاختلفت الروايات.
فِي الطَّرِيقِ

«هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى»

وفي الطريق مرّ رجال حديثو عهد بالإسلام بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم يتبرّكون بها، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.

جواب النبي ﷺ

قال: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى عليه السلام: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، والذي نفسي بيده لتركبُنّ سنّة من كان قبلكم».

المصدر: سنن الترمذي (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي، قال الترمذي: حسن صحيح، وصحّحه الألباني (صحيح سنن الترمذي). وفيه أن ذلك كان لمّا خرج ﷺ إلى حنين.

البركة من الله وحده، والتماسها من الأشجار والأحجار باب إلى الشرك؛ فسدّ النبي ﷺ الباب من أول خطوة.

فِي الْقُرْآنِ

حين أعجبتهم كثرتهم

لم يجتمع للمسلمين قبل ذلك جيش مثله، فقصّ الله تعالى ما كان من أمرهم:

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ۝٢٥ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ۝٢٦
سُورَةُ التوبة: ٢٥–٢٦
الْكَمِينُ

«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ»

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٢٨٦٤)صحيح

كانت هوازن قد كمنت في شعاب الوادي ومضايقه قبل الفجر (الرحيق المختوم)، فأصابت النبلُ أوائلَ الجيش من الشباب الأخفّاء فانكشفوا، وثبت النبي ﷺ يتقدّم نحو العدو ولا يتأخّر.

النِّدَاءُ

رجوع الصحابة إلى رسول الله ﷺ

قَالَ الْعَبَّاسُ: ... فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ قَالَ عَبَّاسٌ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ». فَقَالَ عَبَّاسٌ وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ قَالَ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا. فَقَالُوا يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ ...
صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٧٧٥)صحيح
النَّصْرُ

«هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ»

قَالَ الْعَبَّاسُ: ... فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ». قَالَ ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ». قَالَ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى - قَالَ - فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا.
صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٧٧٥)صحيح

فثبّت الله رسوله والمؤمنين، وأيّدهم بجنودٍ لم يروها (التوبة: ٢٦)؛ فكان النصر من عند الله، لا من كثرة العدد.

حِصَارُ الطَّائِفِ

«إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»

وفرّت ثقيف إلى حصنها المنيع بالطائف، فحاصرها المسلمون، فلم يُفتح لهم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ وَقَالَ مَرَّةً نَقْفُلُ فَقَالَ «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ». فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَأَعْجَبَهُمْ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٣٢٥)صحيح
كم دام الحصار؟ قال أنس: «فحاصرناهم أربعين ليلة» (مسلم ١٠٥٩)، واختلف أهل السير في مدّته، وذكر صاحب الرحيق الخلاف فيه. ثم قدمت ثقيف المدينة بعد عام فأسلمت طائعة (الفصل السابع والعشرون).
أَلَا تَرْضَوْنَ؟

الشاء والبعير، أم رسول الله ﷺ؟

وأعطى النبي ﷺ من الغنائم عطايا جزيلة لحديثي العهد بالإسلام من أهل مكة يتألّف قلوبهم، فوجد بعض الأنصار في أنفسهم…

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي». كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». قَالَ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ «لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٣٣٠)صحيح

وفي حديث أنس (البخاري ٤٣٣٧) أن الأنصار أجابوا بالرضا، وفي رواية مسلم (١٠٥٩): «بلى يا رسول الله، قد رضينا». وأمّا ما اشتهر من أنهم بكوا حتى أخضلوا لحاهم فليس في الصحيحين، فلم نذكره.

دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

النصر من عند الله

لم تُغنِ الكثرة عنهم شيئًا لمّا ركنوا إليها، وإنما نصرهم الله.

٢

صفاء التوحيد

سدّ ﷺ أدنى ذريعة إلى التبرّك بالشجر.

٣

محبة رسول الله ﷺ فوق المال

آثر الأنصار رسولَ الله ﷺ على الشاء والبعير.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.ماذا ذكر الله تعالى من أمر حنين (التوبة: ٢٥)؟
أحسنت.
أعجبتهم كثرتهم فلم تُغنِ عنهم شيئًا.
٢.ماذا كان يقول النبي ﷺ حين انكشف الناس؟
صحيح (البخاري ٢٨٦٤).
«أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
٣.مَن الذين ناداهم العباس ليرجعوا؟
أحسنت (مسلم ١٧٧٥).
أصحاب السمرة، الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية.
٤.بماذا رجع الأنصار إلى رحالهم بدل الشاء والبعير؟
صحيح (البخاري ٤٣٣٠).
رجعوا برسول الله ﷺ إلى رحالهم.

النصر من عند الله وحده

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: تَبُوكُ وَعَامُ الْوُفُودِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←