السيرة النبوية · الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الرَّابِعُ · الْعَهْدُ الْمَدَنِيُّ

الْمَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ · تَمَامُ الرِّسَالَةِ

الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ

تَبُوكُ وَعَامُ الْوُفُودِ

سفر شاقّ في الحرّ، ورجل صدق فنجا، وجزيرة العرب تُقبل على الإسلام

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

جَيْشُ الْعُسْرَةِ

سفر بعيد في حرّ شديد

قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ... وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤١٨)صحيح
البحر الأحمرأكثر من ٥٠٠ كمنحو الشام (بلاد الروم)المدينةالحجرتبوك
الرحيق المختوم: بلغ المسلمين أن الروم يجمعون الجموع في الشمال، فخرج النبي ﷺ في رجب سنة تسع إلى تبوك في نحو ثلاثين ألفًا، فلم يخرج الروم للقتال، وأقام المسلمون بتبوك نحو عشرين ليلة ثم رجعوا.
الْبَذْلُ وَالْعَطَاءُ

من يجهّز الجيش؟

احتاج الجيش إلى الإبل والزاد والماء لسفر بعيد. انقر على كل اسم:

انقر على اسم.

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ۝٩٢
سُورَةُ التوبة: ٩٢
قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

«أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ»

كان كعب بن مالك رضي الله عنه من أهل الصدق والإيمان، شهد بيعة العقبة، ولكنه تخلّف هذه المرة بلا عذر، يسوّف ويقول: أتجهّز غدًا.

قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ... وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤١٨)صحيح
الصِّدْقُ

«وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ»

ولمّا رجع الجيش جاء المخلَّفون — وكانوا بضعة وثمانين رجلًا — يعتذرون ويحلفون، فقبل منهم النبي ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله. ثم جاء كعب رضي الله عنه…

قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ... فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ «تَعَالَ». فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي «مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ». فَقُلْتُ بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤١٨)صحيح
خَمْسُونَ لَيْلَةً

خمسون ليلة، ثم البشرى

  1. ١ نهى النبي ﷺ المسلمين عن كلام كعب رضي الله عنه وصاحبيه الصادقين اللذين تخلّفا معه.
  2. ٢ حتى ابن عمه أبو قتادة رضي الله عنه لم يردّ عليه السلام.
  3. ٣ كتب إليه ملك غسّان يدعوه إليه، فقال كعب: وهذا أيضًا من البلاء، فأحرق الكتاب في التنّور.
  4. ٤ وفي صبح الليلة الخمسين نادى منادٍ من فوق جبل سَلْع…

هذه التفاصيل كلها في الحديث نفسه (البخاري ٤٤١٨).

قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ... فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤١٨)صحيح
التَّوْبَةُ

«أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»

قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ... فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ». قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤١٨)صحيح
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ۝١١٨
سُورَةُ التوبة: ١١٨

قال كعب رضي الله عنه: «إن الله إنما نجّاني بالصدق»، وعاهد ألّا يحدّث إلا صدقًا ما بقي (البخاري ٤٤١٨).

عَامُ الْوُفُودِ · سَنَةَ ٩هـ

العرب يدخلون في الإسلام جماعات

إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ۝١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ۝٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ۝٣
سُورَةُ النصر: ١–٣
الرحيق المختوم: لمّا فُتحت مكة ورجع النبي ﷺ من تبوك أقبلت وفود العرب من كل ناحية إلى المدينة يتعلّمون الإسلام ويدخلون فيه، فسُمّيت سنة تسع عام الوفود. وكان من بينها وفد ثقيف، أهلِ الطائف الذين ردّوه قبل سنين.
وَافِدُ قَوْمِهِ

«إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ»

قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٦٣)صحيح

تأمّل صبره ﷺ على ضمام رضي الله عنه — الوافد الجافي في سؤاله — وكيف كانت أركان الإسلام أول ما سأل عنه.

دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

لا تؤخّر الخير

قال كعب رضي الله عنه في نفسه: أتجهّز غدًا، حتى فاته الركب.

٢

الصدق منجاة

قد تُرضي المعاذيرُ الناسَ زمنًا، والصدق يورث عفو الله.

٣

أعطِ ما تستطيع

أعطى عثمان رضي الله عنه الذهب، وأعطى أبو بكر رضي الله عنه ماله كله، وأعطى من لا يجد دموعه.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.لِمَ سمّى القرآن غزوة تبوك «ساعة العسرة» (التوبة: ١١٧)؟
أحسنت (البخاري ٤٤١٨).
لشدة الحرّ، وبعد الشُّقّة في الصحراء، وكثرة العدو (البخاري ٤٤١٨).
٢.لماذا تخلّف كعب بن مالك؟
صحيح؛ وقد قال إنه لم يكن قطّ أقوى ولا أيسر منه حين تخلّف.
كان يقول في نفسه: أنا قادر عليه، ثم يؤخّر.
٣.كم ليلةً هُجر كعب؟
أحسنت؛ خمسين ليلة.
خمسين ليلة.
٤.عمّ سأل ضمام بن ثعلبة؟
أحسنت (البخاري ٦٣).
سأله: آلله أرسلك؟ وعن الصلاة والصيام والزكاة.

الصدق طريق عفو الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْفَصْلُ التَّالِي: حَجَّةُ الْوَدَاعِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←