السيرة النبوية · الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ
English الفصول الرئيسية
الْبَابُ الرَّابِعُ · الْعَهْدُ الْمَدَنِيُّ

الْمَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ · تَمَامُ الرِّسَالَةِ

الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ

وَفَاةُ النَّبِيِّ ﷺ

أيامه الأخيرة، وآخر كلماته، والرسالة الباقية

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَوْزِي

© ٢٠٢٦ الشيخ محمد فوزي. جميع الحقوق محفوظة. الإصدار ١.١١

إِشَارَةٌ

«هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ... قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَا. قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٩٧٠)صحيح

تمّت رسالته ﷺ: جاء نصر الله، وفُتحت مكة، ودخل الناس في الإسلام جماعات.

بِدَايَةُ الْمَرَضِ · سَنَةَ ١١هـ

«أَيْنَ أَنَا غَدًا؟»

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ «أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا» يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤٥٠)صحيح
الرحيق المختوم: بدأ به المرض في آخر صفر سنة إحدى عشرة، بصداع شديد وحمّى، ودام نحو ثلاثة عشر يومًا أو أربعة عشر.
الصَّلَاةُ

«مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَعَادَتْ فَقَالَ «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ». فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٦٧٨)صحيح
يَوْمُ الِاثْنَيْنِ

تبسّم وهو ينظر إلى أمته في الصلاة

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهْوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٦٨٠)صحيح

كان آخر ما رأى ﷺ من أصحابه أنهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر رضي الله عنه، فتبسّم.

فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

«لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ»

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَاكَرْبَ أَبَاهُ. فَقَالَ لَهَا «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ». فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤٦٢)صحيح
آخِرُ كَلِمَاتِهِ

«اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ». فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى». فَقُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا. وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ قَالَتْ فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٤٤٦٣)صحيح

القصة المشهورة في استئذان ملك الموت على الباب، وفي صوتٍ عزّاهم بعد الوفاة يقال إنه الخضر، لا تصحّ: قال ابن كثير: مرسل، وفي إسناده ضعف (البداية والنهاية)، وحكم الألباني بوضعها (السلسلة الضعيفة ٥٣٨٤)؛ فلا تُدرَّس.

تَارِيخُ الْوَفَاةِ

يوم الاثنين، من ربيع الأول، سنة ١١هـ

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٥٣٦)صحيح
الرحيق المختوم: تُوفّي ﷺ ضحى يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة (يونيو ٦٣٢م)، وله ثلاث وستون سنة. وكونه يوم اثنين ثابت في البخاري (٦٨٠، ١٣٨٧)، ورجّح بعض العلماء يومًا آخر من أوائل ربيع الأول. ودُفن في حجرة عائشة حيث قُبض، وهي اليوم داخل مسجده بالمدينة.
الثَّبَاتُ

«فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»

وزُلزلت المدينة بالخبر، وغلب الحزن على عمر رضي الله عنه فلم يصدّق، ثم أقبل أبو بكر رضي الله عنه…

قَالَتْ عَائِشَةُ: ... فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ. فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. وَقَالَ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ...
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٦٦٧–٣٦٦٨)صحيح
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

مَا نَتَعَلَّمُهُ

١

الموت حقّ على كل نفس

مات خير الخلق ﷺ، والله وحده الحيّ الذي لا يموت.

٢

الصلاة إلى آخر لحظة

كانت الصلاة وأمته أكبر همّه في أيامه الأخيرة.

٣

الرسالة باقية

حملها أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم من بعده، وهي اليوم أمانة في أيدينا.

مُرَاجَعَةٌ

اخْتَبِرْ نَفْسَكَ

النَّتِيجَةُ: ٠ من ٤
١.أيّ سورة فسّرها ابن عباس بأنها إشارة إلى أجل النبي ﷺ؟
أحسنت (البخاري ٤٩٧٠).
سورة النصر.
٢.مَن الذي أمره النبيُّ ﷺ أن يصلّي بالناس؟
صحيح (البخاري ٦٧٨).
أبو بكر.
٣.ما آخر كلمة تكلّم بها ﷺ؟
أحسنت (البخاري ٤٤٦٣).
«اللهم الرفيق الأعلى».
٤.كم كان عمره ﷺ حين تُوفّي؟
صحيح (البخاري ٣٥٣٦).
ثلاثًا وستين سنة.
خِتَامُ الرِّحْلَةِ

الصلاة والسلام عليه ﷺ

صحبنا سيرته ﷺ من مكة إلى المدينة، ومن غار حراء إلى حجة الوداع. وخير ما نشكر به نعمة الله ببعثته أن نحبّه، ونتّبع هديه، ونكثر من الصلاة والسلام عليه:

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ۝٥٦
سُورَةُ الأحزاب: ٥٦
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي. فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ. قَالَ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٣٣٧٠)صحيح

اللهم صلِّ على محمد — وتبقى السيرة حيّةً في كل من اتّبعه

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

نِهَايَةُ الْبَابِ الرَّابِعِ · خِتَامُ السِّيرَةِ

فُصُولُ السِّيرَةِ ←